رصدت الإذاعة الألمانية (دويتشه فيله) تحول ملف السوريين في مصر إلى ورقة ضغط تتقاذفها الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية مع "دمشق الجديدة"، وسط انتقادات حقوقية حادة للحملة المصرية الأخيرة.
وقالت إن ملف الوجود السوري في مصر يشهد تحولات لافتة في الأسابيع الأخيرة، مع تصاعد شكاوى من إجراءات إدارية وأمنية مشددة تستهدف المقيمين السوريين، مما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه الحملة وأسبابها الحقيقية.
سياسة ترحيل مقنّع
وأبرزت وصف تقارير حقوقية صادرة عن منظمات، من بينها مرصد سيناء لحقوق الإنسان، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ما يحدث بأنه "سياسة ترحيل مقنّع" أو "خطة ترحيل ناعمة". فبدلاً من إصدار قرارات ترحيل جماعية معلنة قد تعرض مصر لانتقادات دولية، تعتمد السلطات المصرية على مجموعة من الإجراءات الإدارية والأمنية التي قد تدفع السوريين إلى مغادرة البلاد تحت الضغط.
وشملت هذه الإجراءات عمليات تشديد لإجراءات الإقامة، فمنذ عام 2024، تم تعطيل أو إلغاء تجديد الإقامات السياحية، وربط الإقامة بمسارات محدودة (مفوضية اللاجئين، الدراسة، الاستثمار، أو الروابط الأسرية). أدى ذلك إلى دفع عشرات الآلاف من السوريين إلى حالة "عدم انتظام قانوني قسري"، بسبب طول المواعيد وصعوبة الحصول على الإقامة أو حتى حجز موعد لدى الجوازات، وفق ما يقول سوريون مقيمون في مصر.
أيضًا أشار سوريون من خلال فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي إلى تصاعد حملات التوقيف والاحتجاز. وتشير تقارير حقوقية إلى حملات أمنية واسعة تستهدف السوريين في محافظات عدة، مع احتجاز على خلفية مخالفات إدارية للإقامة فقط.
وقال أشرف أبو الهول مدير تحرير صحيفة الأهرام إن "هذه الحملة لا تستهدف السوريين وحدهم وإنما تستهدف كافة الأجانب في مصر لضبط هذه الإقامة مع إعطاء الناس مهلة لتقنين أوضاعهم لتسجيل أسمائهم في الدولة المصرية والمهن التي يمتهنونها، وأيضًا من يتكفل بإقامتهم إذا كانت المنظمات الدولية أم غيرها".
وأضاف أن "هذه الحملة تم إعلانها أكثر من مرة على الأجانب في مصر، وكانت الاستجابة ضعيفة، وبالتالي بدأت بعض العمليات من خلال الذهاب إلى أماكن تجمع الأجانب ومعرفة مدى قانونية بقائهم في مصر مع إعطائهم مهلة جديدة لتقنين الأوضاع من خلال تعهد شخصي، ومن يخالف أو من لا يلتزم، او من يعيش في مصر دون مبرر، يمنح فرصة لتقنين أوضاعه أو المغادرة، وهذا الترحيل إن تم فهو يتم بشكل قانوني وبالتنسيق مع سفارات هذه الدول سواء سفارة السودان أو سفارة سوريا ومن خلال معلومات ومن خلال بيانات معلومة لدى كل السفارات".
السياسة الداخلية في مصر
في المقابل، يرى دانيال عبد الفتاح الصحفي السوري المقيم في إسطنبول أنه "يمكن النظر لهذا التطور الحادث على أن له علاقة بالسياسة الداخلية في مصر وأن التصرفات التي بدأت تظهر على بعض السوريين في علاقاتهم وفي تعاملاتهم وبعض التصرفات التي يبدونها داخل مصر يبدو أنها بدأت تذهب باتجاه تهديد للأمن القومي المصري، ويبدو أنها أصبحت تسبب نوعًا من أنواع الاستفزاز الداخلي الذي يحرج الحكومة المصرية التي ترعى وجود السوريين في البلاد".
وأضاف أن "الأصوات المعارضة لوجود السوريين في مصر بدأت ترتفع بشكل كبير، مما ينبئ بأن هناك توتر على المستوى الشعبي، والذي قد يؤدي إلى نوع من أنواع النقمة الداخلية لدى المعترضين على التواجد السوري فلذلك اتخذت الإدارة السياسية في مصر - وخاصة الإدارة الأمنية - بتوجيهات سياسية هذا القرار باستبعاد المشاكسين لنقل، والمثيرين للجدل وخاصة يعني من يكثر حديثهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل سلبي ويسيء ويحرض الشارع الداخلي في مصر، فكل هذه الأسباب هي التي ربما دفعت بهذا القرار".
على الجانب السوري، أشار مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمد الأحمد، إلى أن الوزارة تتابع أوضاع المواطنين السوريين في مصر عن كثب، ووجهت السفارة لتقديم المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة، وقدمت مقترحات فنية لمصر لتسهيل إجراءات الإقامة للسوريين المقيمين . كما يوجد تنسيق أمني بين القاهرة ودمشق لتبادل المعلومات بشأن هوية الوافدين .
منع دخول السوريين القادمين من 4 دول
وتشير تقارير حقوقية مختلفة إلى نشر تعليمات جديدة في فبراير 2026 تتعلق بتنظيم سفر السوريين إلى مصر، حيث تم منع دخول المواطنين السوريين القادمين من سوريا، لبنان، الأردن، والعراق، حتى لو كانوا حاصلين على موافقات دخول مسبقة، باستثناء حاملي الإقامات المصرية السارية.
في المقابل، نفت مصادر بوزارة الداخلية المصرية صدور قرار عام بمنع دخول السوريين أو ترحيلهم. وقالت الداخلية المصرية إنه لا توجد قرارات جديدة عامة لمنع دخول السوريين أو طردهم، وأن ما يحدث هو مجرد تطبيق للقانون على من يخالف شروط الإقامة، مع التشديد على أن مصر تستضيف أكثر من مليون سوري منذ سنوات طويلة دون تمييز . وتصر الحكومة على أن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار تطبيق القوانين المصرية المتعلقة بدخول وإقامة الأجانب.
لكن منظمات حقوقية ترى أن انتقاء السوريين من بين جنسيات عديدة، وتزامن حملات التفتيش مع تشديد غير مسبوق على مسارات الإقامة، يحوّل "تطبيق القانون" إلى أداة تمييز ممنهج .
وتتحدث هذه المنظمات عن انتهاك مبدأ "عدم الإعادة القسرية"، لأن الضغط الإداري والأمني الذي يضع اللاجئ أمام خيارين أحلاهما مر (الاحتجاز أو العودة إلى بلد غير آمن) يُعدّ شكلًا غير مباشر من الترحيل القسري . وأصدرت عشر منظمات حقوقية بيانًا مشتركًا في أواخر يناير 2026 يدق ناقوس الخطر إزاء ما يشكل عمليًا سياسة ترحيل قسري.
https://www.dw.com/ar/%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B1/a-75954411

